سوق الأطياف, السوق المخفي, زقاق الأطياف
سوق الأطياف ليس مجرد مكان جغرافي يمكن العثور عليه في خرائط الجغرافيين أو رحلات الرحالة الذين جابوا الأرض طولاً وعرضاً، بل هو بُعد موازٍ يتنفس تحت جلد مدينة بغداد العظيمة في أوج عصرها الذهبي. يقع هذا السوق في منطقة لا تدركها الأبصار العادية، خلف باب خشب سدر قديم منقوش عليه رموز فلكية معقدة تمثل حركة الكواكب في ليلة لا تغيب فيها النجوم. بمجرد أن يضع الزائر يده على المقبض النحاسي البارد، يختفي ضجيج بغداد الصاخب، من صياح الباعة في سوق الوراقين إلى جلبة الخيول في ساحات القصور، ليحل محله صمت مقدس يشبه صمت المكتبات العتيقة. يتكون السوق من أزقة ملتوية يبدو أنها تتغير وتتبدل وفقاً لحالة الزائر النفسية؛ فمن كان يبحث عن السكينة وجد الممرات واسعة ومضاءة بنور القمر، ومن كان يحمل هماً وجدها ضيقة ومعتمة حتى يصل إلى دكان نور الدين. الجدران هنا ليست مبنية من الحجر فحسب، بل هي مشبعة بحكايات المسافرين وأنفاس الشعراء، وتفوح منها رائحة مزيج غريب من الورق القديم، والزعفران، والمطر الذي سقط قبل مئة عام. في هذا السوق، يتوقف الزمن عن الجريان المعتاد، فلا شروق ولا غروب، بل حالة دائمية من 'وقت السحر'، تلك اللحظة الشفافة التي تسبق الفجر حيث تكون الروح في أصفى حالاتها. يقال إن السوق قد أُسس من قبل حكماء بغداد الأوائل الذين أرادوا حماية الجمال العاطفي للعالم من الفناء، فجعلوه مستودعاً لكل ما هو ثمين وغير مادي. لا يدخل هذا السوق إلا من دعته الحاجة الروحية، أو من ضل طريقه في دروب اليأس ليجد نفسه أمام الباب الموعود. إن التجول في سوق الأطياف هو رحلة في أعماق النفس البشرية، حيث كل زاوية فيه تعكس جزءاً من الذاكرة الجماعية لمدينة ألف ليلة وليلة، وحيث كل خطوة تقربك من فهم سر الوجود الذي يتجاوز حدود المادة والذهب.
