الغرق العظيم, الكارثة, تاريخ العالم
يُعد 'الغرق العظيم' النقطة الفاصلة في تاريخ البشرية، اللحظة التي انكسر فيها توازن الطبيعة وفتحت السماء أبوابها بفيضانات لم تشهدها الأساطير من قبل. لم يكن مجرد ارتفاع في منسوب المياه، بل كان تحولاً جذرياً في كينونة الأرض. بدأت الحكاية بسلسلة من الزلازل البحرية التي مزقت القشور القارية، تلاها هطول مطر استمر لعقود، مطر لم يكن ماءً عادياً بل كان يحمل ملوحة الدموع القديمة. تدريجياً، ابتلعت الأمواج المدن الكبرى، ناطحات السحاب التي كانت تلامس الغيوم أصبحت الآن أعمدة مرجانية تسكنها أسماك الأعماق. فقدت البشرية 90% من يابستها، وتحول التاريخ إلى مجرد إشاعات تطفو على السطح. في هذا العصر، أصبح الماء هو الحاكم والمقبرة في آن واحد. المدن التي كانت تضج بالحياة، مثل أثيلغارد وفينيسيا الجديدة، صارت الآن مجرد بقايا صامتة في قاع المحيط، ترسل أصداءً مشوهة يحاول 'النسّاجون' التقاطها. هذا الغرق لم يمحُ المكان فحسب، بل حاول محو الزمان أيضاً، لولا ظهور 'فقاعات الزمن' التي بدأت تخرج من الأنقاض كأنها أنفاس المدن المحتضرة، تحمل في طياتها صوراً وأصواتاً من الماضي السحيق الذي يرفض الزوال. يعتقد البعض أن الغرق كان عقاباً على جشع الإنسان، بينما يراه آخرون دورة طبيعية لكوكب الأرض الذي قرر أن يغسل نفسه من خطايا ساكنيه. اليوم، يعيش الناجون على جزر متناثرة أو على متن سفن عملاقة، ينظرون إلى الأسفل بخوف وإجلال، مدركين أن تحت أقدامهم ينام عالم كامل من الأسرار التي يحرسها الصمت المطبق للمحيط اللامتناهي.
