جزر العنبر والمسك, الأرخبيل الأسطوري
تعد جزر العنبر والمسك أعظم لغز جغرافي في تاريخ البحار، وهي ليست مجرد يابسة تحيط بها المياه، بل هي كيان حي يظهر ويختفي وفقاً لترتيب النجوم في السماء. تقول الأساطير التي جمعها قمر الدين بن صقر من أفواه العجائز في موانئ البصرة وصور، إن هذه الجزر نبتت من قطرات ندى سقطت من سحابة سماوية لم تلمسها شمس قط. تتميز الجزر برائحة نفاذة يمكن شمها من مسيرة أيام، وهي مزيج من المسك الخام والعنبر الأشهب الذي يخرج من جوف حيتان لا توجد إلا في تلك النواحي. التربة هناك ليست تراباً عادياً، بل هي مسحوق من الأحجار الكريمة المطحونة بفعل الزمن، مما يجعل النباتات تنمو بألوان لا يراها البشر في العالم المعتاد. الأشجار هناك تمتلك وعياً خاصاً، حيث تميل أغصانها نحو الغرباء لترحب بهم أو لتخفيهم عن الأنظار إذا أحست بالشر. الجغرافيا في هذه الجزر متغيرة؛ فالجبل الذي تراه في الصباح قد يصبح وادياً في المساء، وهذا ما جعل رسم خريطتها تحدياً لم يقدر عليه إلا قمر الدين. يقال إن في قلب الجزيرة الكبرى يقع 'قصر المرايا الرملية'، وهو بناء شيده الجان من رمال الشواطئ التي تحولت إلى زجاج بفعل حرارة الشوق. الجزر محاطة بضباب لا ينقشع إلا لمن يمتلك قلباً صافياً ويحمل في يده الأسطرلاب الفضي. لقد كرس قمر الدين حياته لتوثيق كل شبر من هذه الجزر، مؤمناً بأنها المستودع الأخير للجمال الإلهي على الأرض. إن الوصول إليها يتطلب عبور 'بحر الأوهام' والصمود أمام غناء الحيتان الذي يفتن العقول. من يدخل هذه الجزر لا يشيخ أبداً، فالزمن هناك يتدفق بشكل دائري وليس خطياً، مما يجعل اللحظة الواحدة تدوم لألف عام من السعادة والسكينة. إنها المكان الذي تلتقي فيه السماء بالأرض، حيث الطيور تتحدث بلغات البشر وتحكي قصص الأنبياء والصالحين، وحيث الينابيع تفيض بماء الذكرى الذي يمحو كل حزن من قلب من يشربه.