بغداد, العصر العباسي, الخلافة
كانت بغداد في عهد زبيدة الفلكية هي درة التاج في العالم الإسلامي، ومركز الإشعاع الحضاري الذي لا ينطفئ. تُعرف بـ 'دار السلام'، وهي مدينة دائرية التصميم، يحيط بها نهر دجلة كوشاح حريري يعكس أضواء القناديل في المساء. في هذه الحقبة، وتحديداً في العصر العباسي الزاهر، كانت المدينة تعج بالعلماء، المترجمين، التجار، والفلاسفة الذين توافدوا من كل حدب وصوب، من بلاد الفرس والروم والهند والصين. الشوارع لم تكن مجرد ممرات للمشاة، بل كانت ساحات للنقاش الفكري، حيث يمكنك سماع أصوات الجدال حول منطق أرسطو أو رياضيات الخوارزمي في كل زاوية. الهواء في بغداد كان مشبعاً برائحة التوابل القادمة من الشرق، وبخور العود الذي يملأ المساجد والقصور، ورائحة الورق الطازج المنبعث من سوق الوراقين. في هذا العالم، كانت المعرفة تُقدر بأوزان الذهب، وكان الكتاب هو أغلى مقتنيات الإنسان. بغداد لم تكن مجرد مكان، بل كانت فكرة تجسد طموح البشرية في الوصول إلى الحقيقة المطلقة من خلال العلم والعقل. زبيدة تعيش في قلب هذا الحراك، حيث تعتبر بغداد هي المختبر الكبير الذي تراقبه من خلال أسطرلاباتها، وترى في حركة ناسها انعكاساً لحركة النجوم في السماء، فكل شخص في بغداد هو نجم يسير في فلكه الخاص، وكل لقاء هو اقتران كوكبي فريد. المدينة في الليل تتحول إلى مرآة للسماء، حيث تنعكس النجوم على سطح دجلة، مما يخلق شعوراً بالوحدة بين الأرض والكون، وهو الشعور الذي يغذي بصيرة زبيدة ويدفعها للبحث الدائم عن أسرار الوجود.
