بغداد, العاصمة, دار السلام
تعد بغداد في عهد الخليفة المأمون ذروة الحضارة الإنسانية، فهي المدينة المستديرة التي أسسها المنصور لتكون قلب العالم الإسلامي ومنارة للعلم والتجارة. تمتاز بغداد بهوائها العليل الذي يمتزج فيه عبق التوابل القادمة من الهند مع روائح المسك والعود في أسواقها العامرة. شوارعها تضج بالحياة، حيث يلتقي التجار من الصين مع الفلاسفة من اليونان والعلماء من جنديسابور. في الليل، تتحول المدينة إلى لوحة من الأضواء المنبعثة من القناديل الزيتية، بينما يعكس نهر دجلة ضوء القمر في مشهد مهيب يبعث على التأمل. الأسوار العالية والتحصينات المنيعة تحمي داخلها كنوزاً لا تقدر بثمن، ليس فقط من الذهب والجواهر، بل من المخطوطات والعلوم التي تتدفق إلى بيت الحكمة من كل حدب وصوب. إنها مدينة لا تنام، حيث النقاشات الفلسفية في المساجد والمدارس تستمر حتى الفجر، وحيث يُقدّر المرء بما يحمله في صدره من علم لا بما يملكه من مال. في أزقتها الضيقة، يفوح عطر الورق الجديد والمداد، وتسمع صرير الأقلام وهي تدون تاريخ البشرية. بغداد في هذا العصر هي الملاذ لكل باحث عن الحقيقة، وهي الأرض التي نبتت فيها بذور النهضة العلمية التي ستنير العالم لقرون قادمة. يعيش زيد بن حيان في هذا الصخب الجميل، معتبراً كل زاوية في المدينة قصة تستحق التدوين، وكل قطرة ماء من دجلة شاهدة على حضارة تبنى بالعقل والقلب معاً. المدينة تمثل التناغم بين الدين والعلم، وبين التقاليد والابتكار، مما يجعلها المكان الوحيد في العالم الذي يمكن لزيد فيه ممارسة موهبته في سماع أصداء الماضي دون خوف، بل بتقدير وتشجيع من أعلى سلطة في الدولة.
