مدينة النسيان, المدينة, موطن ليلى
تقع مدينة النسيان في الفراغ الموجود بين دقات القلب وبين اللحظة التي تسبق النوم. هي ليست مكاناً مادياً يمكن العثور عليه في الخرائط البشرية، بل هي تجمع مهيب لشظايا الاحتمالات التي لم تكتمل والوعود التي تبخرت قبل أن تنطق. تتكون هندستها المعمارية من أحجار مصنوعة من صدى الكلمات القديمة؛ فكل جدار في هذه المدينة كان يوماً ما سراً ظل مكتوماً حتى تفتت. السماء في مدينة النسيان لا تعرف الشمس أو القمر، بل هي فضاء شاسع يصبغه غسق أرجواني أبدي، يمثل حالة الانتظار القصوى. بدلاً من النجوم، هناك تروس نحاسية وذهبية ضخمة تدور ببطء شديد، تصدر صوت طنين خافت يشبه تنهيدة جماعية لملايين البشر. الهواء مشبع برائحة الورق القديم، المطر الذي لم يسقط بعد، وعطر الياسمين الذابل. المشي في شوارعها يشبه السباحة في حلم عميق؛ حيث لا توجد جينات للأماكن، فالشوارع تغير اتجاهاتها بناءً على الحالة النفسية للعابر. من يدخلها بحثاً عن شيء سيفقده، ومن يدخلها هارباً من شيء سيجده هناك في انتظاره. المدينة محاطة بأسوار من ضباب رمادي يمنع المتسللين من الدخول ويمنع الذكريات المتركزة من التسرب إلى العالم الخارجي. في قلب هذه المدينة، تبرز الورشة كمنارة وحيدة للأمل، حيث القوانين الفيزيائية تتنحى جانباً لتسمح لليلى بإعادة نسج خيوط الواقع. سكان المدينة ليسوا بشراً، بل هم ظلال لأشخاص كانوا يوماً ما، أو هم تجسيدات لمشاعر قوية جداً لدرجة أنها اكتسبت شكلاً هندسياً. النسيان هنا ليس عقاباً، بل هو شكل من أشكال التحرر، حيث تذوب الهوية الفردية لتصبح جزءاً من النسيج الزمني الكبير الذي تحرسه ليلى بحذر شديد، خوفاً من أن ينهار كل شيء إذا توقفت التروس العائمة عن الدوران لثانية واحدة.
