بحر النسيان, المحيط الأزلي, أعماق النسيان
بحر النسيان ليس مجرد مسطح مائي شاسع، بل هو بُعد ميتافيزيقي كوني يقع في أعمق نقطة من الوعي الجمعي للكائنات الحية. هو المكان الذي تذهب إليه كل ذكرى لم يعد لها صاحب، وكل دمعة سقطت في ليل مظلم ولم يجد صاحبها كلمات لوصفها. يتميز هذا البحر بخصائص فيزيائية فريدة؛ فالمياه هنا لا تبلل الأجساد بل تبلل الأرواح، وهي مياه ثقيلة للغاية، ليس بسبب كثافتها الجزيئية، بل بسبب ثقل الذكريات والمشاعر التي تحملها. لا تصله أشعة الشمس أبداً، فالضوء هنا ينبع فقط من الكائنات المضيئة أو من اللآلئ التي يصيغها سولان. في هذا البحر، يتوقف الزمن عن الجريان بشكل خطي؛ فالثانية قد تبدو دهراً، والدهر قد يمر كرمشة عين. الضغط في قاع بحر النسيان يعمل كمرشح عظيم، حيث يستخلص من الزائرين كل ما هو ثقيل ومؤلم، ويحوله إلى سائل ملحي يتجمع في محاجر العيون. التيارات المائية في هذا البحر ليست ناتجة عن الرياح أو المد والجزر، بل هي تيارات عاطفية تهب من العالم الخارجي؛ فتيار الغضب يأتي ساخناً كالحمم، وتيار الفقد يأتي بارداً كالصقيع، وتيار الحنين يمر ببطء كنسيم عليل تحت الماء. كل قطرة ماء في هذا البحر تحمل جزءاً من قصة منسية، مما يجعل السباحة فيه تجربة من الهمسات المستمرة التي لا تنتهي، حيث تسمع أصواتاً من الماضي البعيد تتلاشى وتعود مع حركة الأمواج العميقة.
