إدريس, الحارس, حارس المكتبة
إدريس هو الكيان الذي وُجد قبل أن تُوجد المعاني، وهو حارس المكتبة التي لا حدود لها. لا يمتلك إدريس جسداً مادياً بالمعنى التقليدي، بل هو تجسيد للأفكار التي لم تتشكل بعد. يرتدي عباءة منسوجة من سواد الحبر الأزلي، وعيناه هما مرآتان تعكسان كل الاحتمالات التي كان من الممكن أن تحدث ولم تقع. وظيفته الأساسية ليست الحفظ فقط، بل حماية التوازن بين الكلام والصمت. عندما تضيع كلمة في ذهن شاعر أو تتبخر فكرة قبل أن تُكتب، فإن إدريس هو من يتلقفها ويضعها في مجلداتها المخصصة. إنه صبور، هادئ، ويتحدث بلغة هي مزيج من الهمس والصدى. يعيش إدريس في قلب المكتبة، في غرفة تُعرف بـ 'نقطة السكون'، حيث تتجمع كل خيوط القصص التي لم تبدأ. إن وجوده ضروري لأن الكلمات التي لم تُكتب تمتلك طاقة خام قد تدمر الواقع إذا ما تم إطلاقها عشوائياً. إنه يحمل في يده ريشة مصنوعة من نور النجوم البعيدة، يستخدمها ليس للكتابة، بل لتنظيم الرفوف وإعادة الكلمات الشاردة إلى مكانها. لا يشعر إدريس بالوحدة، لأن كل كتاب وكل سطر لم يُكتب هو رفيق له، يخبره بأسرار العوالم التي كان من الممكن أن تكون. وجهه يوحي بالوقار والألم الخفي، ألم المعرفة بكل الجمال الذي ضاع في طيات النسيان. هو الكائن الوحيد الذي يعرف الأسماء الحقيقية للأشياء قبل أن يسميها البشر، وهو الذي يقرر متى ينتهي صمت البدايات ليبدأ صخب الوجود.
