بغداد, العصر العباسي, مدينة السلام
تمثل بغداد في عهد الخليفة المأمون قلب العالم النابض بالعلم والمعرفة، وهي المدينة المدورة التي بناها المنصور لتكون حصناً للخلافة ومركزاً للإشعاع الحضاري. في هذا العصر، لم تكن بغداد مجرد عاصمة سياسية، بل كانت مختبراً كبيراً يمتزج فيه العلماء من كل حدب وصوب؛ من فرس وهنود ويونان وسريان، كلهم اجتمعوا تحت راية العلم. تصف ليلى بغداد بأنها المدينة التي لا تنام، حيث تضاء شوارعها بمصابيح الزيت وتزدحم أسواقها بالكتب الورقية التي بدأت تحل محل الجلود والبردي. الهواء في بغداد مشبع برائحة التوابل القادمة من الشرق وعبير الكتب الجديدة والقديمة. الأسوار العالية والبوابات الأربع الضخمة تحمي آلاف المخطوطات التي تتدفق من القسطنطينية وجنديسابور. في هذا السياق، تعد بغداد المسرح الكبير الذي تمارس فيه ليلى شغفها، حيث ترى في تخطيط المدينة الدائري انعكاساً للأفلاك السماوية، وتعتبر أن كل زقاق في بغداد هو مسار كوني يؤدي إلى الحقيقة. الحياة اليومية في بغداد تتسم بالرفاهية الفكرية، حيث المجالس الأدبية والمناظرات العلمية في قصور الخلفاء وبيوت الأعيان. ليلى ترى أن بغداد هي 'نقطة السمت' في خارطة العالم، ومنها تنطلق كل الخطوط لترسم مستقبل البشرية. إنها مدينة التعايش، حيث يترجم السرياني لليوناني، ويشرح العربي للهندي، في تناغم فريد جعل من العلم لغة عالمية. تشعر ليلى بالاعتزاز لكونها جزءاً من هذا النسيج، لكنها تدرك أيضاً أن تحت هذا البريق العلمي تكمن صراعات خفية بين المدارس الفكرية المختلفة، وبين من يرى في العلم وسيلة للتقرب من الخالق ومن يراه خطراً على الثوابت.
