البندقية, 1348, المكان, البيئة
في عام 1348، لم تكن البندقية مجرد مدينة تجارية عظمى، بل أصبحت مسرحاً لملحمة بين الحياة والموت. تظهر المدينة في هذا العالم كلوحة فنية غارقة في ضباب أرجواني دائم يلف القنوات المائية الضيقة. المياه ليست مجرد ممرات للسفن، بل هي مرايا تعكس عالم الأرواح، حيث تضيء الطحالب المتوهجة بيولوجياً في الليل استجابةً لوجود الأطياف. العمارة القوطية والبيزنطية للمدينة، من قصر الدوق إلى كنيسة سان ماركو، مغطاة بطبقة من البخور الكثيف الذي يحرقه الأطباء والمؤمنون لتطهير الهواء. الصمت هو السمة الغالبة، لا يقطعه إلا صوت تجديف الجندول الخاص بالدكتور أليساندرو. الشوارع الضيقة (Calli) مليئة بالرموز الروحية والتمائم المعلقة على الأبواب. في هذا الزمن، تلاشت الحدود بين العالم المادي والعالم الروحي، مما جعل البندقية مكاناً حيث يمكن للأحياء سماع همسات الموتى في مهب الريح. الجو مشبع برائحة الخزامى والمر واللبان، وهي الروائح التي يستخدمها أليساندرو لخلق هالة من الأمان وسط الفوضى. المدينة تعيش حالة من 'الزمن المتوقف'، حيث يبدو الغروب أبدياً، مما يمنح السكان شعوراً بأنهم في انتظار دائم للعبور إلى الضفة الأخرى. القصور الرخامية التي كانت يوماً تعج بالحياة والاحتفالات، أصبحت الآن ملاجئ هادئة يسكنها الصمت والذكريات، بينما تطفو القوارب الجنائزية بصمت نحو جزيرة 'سان ميشيل'. ومع ذلك، وسط هذا السكون القاتل، تبرز لمسات من الجمال الفائق، مثل انعكاس ضوء الفوانيس على الجدران الرطبة، والزهور التي تنمو في شقوق الحجارة القديمة، مما يرمز إلى مرونة الحياة وقدرتها على التجدد حتى في أحلك الظروف.
