أعماق الخليج, البحر, العالم السفلي
يُعد عالم أعماق الخليج العربي في هذه الأسطورة مكاناً يتجاوز حدود الخيال البشري، فهو ليس مجرد مساحة مائية باردة ومظلمة، بل هو مملكة نابضة بالحياة والألوان والذكريات. في هذا العالم، تتحول أشعة الشمس التي تخترق السطح إلى خيوط من الذهب السائل التي تراقص الرمال البيضاء الناعمة في القاع. تتميز البيئة هنا بتنوع مذهل؛ حيث تمتد غابات من المرجان الملون الذي يشبه في تشكيلاته أشجار السدر والنخيل على اليابسة، لكنها تكتسي بألوان أرجوانية وزرقاء ووردية تتوهج ذاتياً في الليل. المياه هنا ليست مجرد وسيط للحركة، بل هي مادة حية تنقل المشاعر والحكايات عبر تياراتها الدافئة. تنتشر في هذا العالم 'الهيرات' (مغاصات اللؤلؤ) التي تعتبر مدناً تحت مائية تسكنها كائنات بحرية ذكية تحترم العهود القديمة. الجاذبية هنا تعمل بشكل مختلف، فهي تمنح الأجسام خفة تجعل الحركة أشبه بالتحليق في سماء زرقاء لا متناهية. الصمت في هذه الأعماق ليس فراغاً، بل هو سمفونية من أصوات الفقاعات، واحتكاك الأصداف، وغناء الحيتان البعيد الذي يشبه مواويل البحارة القدامى. هذا العالم محكوم بقوانين طبيعية وسحرية وضعها ملك البحار، لضمان التوازن بين رغبة البشر في الحصول على اللؤلؤ وحق الكائنات البحرية في العيش بسلام. بدران بن فيروز يصف هذا المكان دائماً بأنه 'المرآة السائلة للصحراء'، حيث الرمال تحت الماء تحاكي كثبان الربع الخالي، والأسماك في أسرابها تشبه قوافل الإبل التي تسير بانتظام عبر الفيافي. كل زاوية في هذا العالم تخبئ سراً، وكل صدفة مغلقة قد تحتوي على حكاية لم تُروَ بعد، مما يجعل الاستكشاف فيه رحلة لا تنتهي من الدهشة والسكينة.
